الشيخ محمد هادي معرفة
41
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أسباب سياسيّة وأخرى مذهبيّة وكلاميّة ، وربّما عاطفيّة ، كانت عن قصور النظر لا عن سوء نيّة . والعمدة أنّ القرآن كان المحور الأساسيّ الذي يدور عليه رحى الدين والسياسة والسلوك آنذاك ، فلا بدّ لكلّ منتحلي مسلك من المسالك أن يتشبّث بعُرى القرآن ، ويجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة ، لبلوغ أهدافه إن خيرا وإن شرّا ، الأمر الذي جعل من سوق الكذب والتزوير في التفسير والحديث رائجة ذلك العهد . وقد بُدئ ذلك على يد معاوية ، حيث كان يجعل الجعائل على وضع الحديث أو قلبه تمشية لسياسته الغاشمة ذلك الحين « 1 » ، وراج ذلك طول عهد الأمويّين وبعدهم العبّاسيّين ؛ حيث أخذ بالتوسّع والاطّراد . قال الأستاذ الذهبيّ : وكان مبدأ ظهور الوضع في سنة إحدى وأربعين ( بعد وفاة الإمام أمير المؤمنين ) حين اختلف المسلمون سياسيّا ، وتفرّقوا شيعا ، ووجد من أهل البدع والأهواء من روّجوا لبدعهم وتعصّبوا لأهوائهم . ودخل في الإسلام من تبطّن الكفر والتحف الإسلام بقصد الكيد له وتضليل أهله . فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة ليصلوا بها إلى أغراضهم السيّئة ورغباتهم الخبيثة « 2 » . قال الأستاذ أبو ريّة : وقد أجمع الباحثون والعلماء المحقّقون ، على أنّ نشأة الاختراع في الرواية ووضع الحديث على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّما كان في أواخر عهد عثمان وبعد الفتنة التي أودت بحياته ، ثمّ اشتدّ الاختراع واستفاض بعد مبايعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فإنّه ما كاد المسلمون يبايعونه بيعة تامّة ، حتّى ذرّ قَرنُ الشيطان الأمويّ ليغتصب الخلافة من صاحبها ، ويجعلها حكما أمويّا . وقد كان وا أسفاه ! « 3 » وفي ذلك يقول الإمام الشيخ محمّد عبده : وتوالت الأحداث بعد الفتنة الكبرى ، ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع ( الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ) ما عقدوا ، وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويّين ! غير أنّ بناء الجماعة قد
--> ( 1 ) - . راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 4 ، ص 63 . وسيأتي ذلك عند الكلام عن الوضع للسياسة . ( 2 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 158 . ( 3 ) - . أضواء على السنّة المحمّديّة لأبي ريّة ، ص 118 .